جامعة سيدي محمد بن عبد الله

 كلية الآداب والعلوم الإنسانية

    ظهر المهراز ـ

الملكية العقارية والتحولات الاجتماعية

 في قبائل الحياينة

رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع

 

 

 

 

 

إنجاز الطالب : محمد شرقي                                    تحت إشراف :

 

رقم التسجيل : 87/717                                  الدكتور عبد الجليل حليم

 

 

 

السنة الجامعية : 2001 / 2002

  

إهداء

إلى الوالدين العزيزين

رشيدة والأبناء

 

 

 

 

 

شكر

 

 

أتوجه بالشكر العميق إلى كل الأسر الحيانية التي لم تبخل علي بالخبر ولا بكرم الاستقبال . وإلى كل من ساهم , بهذا الشكل أو ذاك , من بعيد أو قريب , في إنجاز هذا العمل المتواضع . وأخص بالذكر الأستاذ المشرف عبد الجليل حليم , الذي لولا تفهمه الدائم وتوجيهاته المستمرة لما رأى هذا العمل النور .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرموز المستعملة

 

 

خ . ح . ر : الخزانة الحسنية بالرباط .

خ . ع . ر : الخزانة العامة بالرباط .

م   .  س  : مرجع سابق .

م   .  م    : مرجع مذكور .

ن   .  م   : نفس المرجع .

 

 

A . B :                          Archives Berbéres .

A . E . P :                     Archives du Ministére des Affaires Etrangéres-Paris .

A . M :                          Archives marocaines .

A . M . G :                    Archives du Ministére de la Guerre , Vincennes .

B . C . A . F . – R . C : Bulletin du comité de l’Afrique / Renseignements Coloniaux .

C . H . E . A . M :                  Centre des Hautes Etudes d’Administration Musulmane ,       

                                                devenu ( Centre des Hautes Etudes d’Afrique et d’Asie              

                                                Modernes )    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

مقدمة

    يندرج هذا العمل ضمن علم الإجتماع القروي ويحاول أن يلامس التحولات الإجتماعية التي يعرفها هذا العالم ( القروي ) , نموذجه في ذلك قبائل معرفة في الزمان والمكان : إنها قبائل الحياينة التي يمكن أن نموضعها مؤقتا في شمال فاس والمصنفة جغرافيا ضمن مقدمة جبال الريف .

 وكما هو الشأن في كل بحث , فقد تداخلت في اختيار هذا الموضوع دواعي ودوافع عدة يتداخل فيها ما هو محلي/ جهوي مرتبط بهذه القبائل ذاتها وما هو موضوعي مرتبط بالمجتمع الإجمالي ونسبة العالم القروي فيه وأهمية ذلك على مستوى مستقبل المجتمع المغربي ككل , وكذا جملة التصورات المصاغة حوله والتي تفتقد في كثير من الحالات صفة النظرة الموضوعية له , بشكل دقيق لجل قضاياه وانشغالات ساكنته .

   هذه الدوافع يمكن أن نفصل الحديث فيها على النحو التالي :  

   أولا : فيما يخص الدوافع المحلية المرتبطة بمجال البحث يمكن تلخيصها في السؤال التالي : لماذا تخلت قبائل الحياينة عن الأدوار التي كانت تلعبها في الماضي وتحديدا في الفترة ما بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ؟ وهي أدوار يمكن الوقوف عليها من خلال الكثير من الإشارات التاريخية التي نجدها موزعة بين الكتابات التاريخية المتداولة والتي غطت تلك المرحلة . نذكر هنا بالخصوص تاريخ الضعيف وكتابات مولاي عبد الرحمان ابن زيدان , أبي القاسم الزياني , أكنسوس , الافراني , الناصري وآخرين , حيث نلمس من خلال هذه الإشارات المقتضبة الحضور الدائم والمكثف لهذه القبائل على مستوى المسرح السياسي , فثمة تارة حملات لتأديبها اتخذت مظاهر مختلفة , وثمة تارة أخرى الإرتكان إليها لمواجهة قبائل أخرى متمردة وبالخصوص في عهد مولاي سليمان والمولى الحسن الأول , من هنا جاء التساؤل لماذا توقفت هذه الأدوار وكيف توقفت ولماذا انقطع هذا المسار في السيرورة التاريخية لهذه القبائل , كيف نفهمه ؟ وكيف نفسره ؟

    لقد شكل هذا التساؤل , بمعنى ما , الهاجس وراء الإهتمام بهذه القبائل , لكن الوقوف عند هذا الحد ومحاولة الرجوع إلى الأصول قصد تتبع المسار التاريخي الذي سلكته , بدا لنا عملية عقيمة وإن كانت مشروعة , كما أنها تدخل في مجال غير مجال اهتمامنا , لذلك حاولنا صياغته والإجابة عنه في إطار إشكالية أخرى , إشكالية يمكن اعتبارها فرعية بالنسبة إليه كإشكال عام , إشكالية تهم التحولات الإجتماعية في المنطقة في ارتباطها بتملك أداة أساسية للإنتاج , ملكية الأرض , خاصة وأننا نتحرك ضمن مجتمع زراعي يعيش على الأرض ومن الأرض .

     ثانيا : أما بخصوص الدوافع الموضوعية , فتتمثل في حجم العالم القروي وأهميته بالنسبة للمجتمع المغربي ماضيا وحاضرا1 . ففي الماضي شكلت القبائل دائما مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المغربي إلى جانب الزاوية والمخزن إلى حد يمكن معه اعتبار كل خطاب سواء كان داخليا أو خارجيا  خطابا مؤسسا على هذه العناصر التي شكلت ذرات له كخطاب . فقد كونت القبائل عبر التاريخ المغربي , القاعدة المادية للزوايا وكذلك للمخزن , وغالبا ما تأرجحت في وضعها بين مخزن بالقوة ومخزن بالفعل . حاضرا كذلك يمثل سكان البادية أكثر من نصف الساكنة العامة , وأكثـر من ذلك ,   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-      تبين الدراسات التاريخية لسكان المغرب أن سكان البوادي هم الساكنة الأصلية للمغرب , كما أن حياتهم هي النموذج أو النمط المرجعي لمختلف أنماط الحياة والوجود الحالي داخل المجتمع . وأغلب المدن في المغرب ترجع نشأتها إما إلى أشخاص كانت لهم السيادة داخل القبيلة أو أولياء عاشوا حياتهم داخل القرى .

-          Alain Berger , La nouvelle économie de l’espace rural , éd . C . U . J . D . S , 1975 , p 5 .

فالمغرب مازال يقدم ويصنف كمجتمع فلاحي 2  . وهي معطيات لها دلالاتها الخاصة . أضف إلى ذلك أن ثمة مجموعة أحداث عرفها المغرب المعاصر تزكي مثل هذا الإهتمام ( إخفاقات الطبقة العاملة ـ أحداث مارس 65 , يونيو 81 , يناير 84 , دجنبر 91 ) وتحتم بالتالي الرجوع إلى أصول هذه الفئات الإجتماعية بغرض فهم وتفسير تلك الأحداث وإخفاقات أخرى : الإخفاق في ولوج عالم الحداثة , صعوبات التحديث , وضعية المرأة , فكرة التخطيط العائلي , ما تعرفه المدن حاليا , خاصة المدن الكبرى والعتيقة من ارتداد إلى سلوكات كانت دوما مرتبطة بالبدوي أو ما يسمى حديثا بظاهرة ترييف المدن , إلى غير ذلك من التعثرات والإكراهات هي كلها اعتبارات شجعتنا على الإهتمام والإشتغال على المجال القروي .

   وإلى جانب هذه الإعتبارات يمكن إضافة اعتبار آخر مرتبط بواقع البحث الميداني في بلادنا وجملة الصعوبات التي يطرحها خصوصا المتعلقة منها بإشكالية التواصل بين الباحث والمبحوث إن على المستوى اللغوي أو الثقافي .

    فالإشتغال على مجال معروف معروف ـ بالمعنى العادي للكلمة ـ وغير غريب عن ذاتية الباحث ربما قد يساهم في تجاوز الكثير من هذه الصعوبات : فالمعرفة الأولية بالموضوع والتي عادة ما تكون قد تبلورت بحكم الملاحظة والمعايشة , وإن كانت لا تتجاوز كونها انطباعات قد تمثل عوائق أمام معرفة علمية بالمعنى الإبستمولوجي , فإنها على الأقل توفر عن الباحث عناء اكتشاف المجال المدروس واقتحامه لأول مرة .

   Iـ هدف البحث وإشكاليته :

  1 ـ هدف البحث : إذا سمح لنا أن نتحدث بلغة تربوية محضة , يمكننا صياغة أهداف هذا البحث على شكل الأهداف العامة التالية :

     ـ محاولة التعرف على مجمل التحولات التي عرفها المجال الحياني على الأقل منذ مرحلة الإستقلال السياسي إلى الآن .

     ـ محاولة تبين طبيعة العلاقة بين هذه التحولات في مستوياتها المختلفة والمسار الذي اتبعته الملكية العقارية على مستوى توزعها والإستفادة منها . وفي هذا الإطار , وبهذه الطريقة يمكن أن نقف على " خصوصية " الرأسمالية الزراعية وطريقة التدخل في هذا المجال . إلا أنه جدير بالإشارة في هذا المقام , إلى أن اختيار مؤشر اقتصادي ـ مؤشر ملكية الأرض ـ واعتماده لرصد وفهم التغيرات التي عرفها المجال الحياني , لا يعني , كما يمكن أن يفهم من ذلك , أننا نعطي كل الأهمية للعامل الإقتصادي ونجعل كل التحولات تابعة له 3 .  بل إننا في الحين الذي اخترنا فيه هذا العنصر , عنصر الملكية العقارية , كنا نعي مسبقا تداخل وجدلية العوامل المكونة للحركية الإجتماعية , وأن هذه الأخيرة هي نتيجة تفاعل مستمر بين ما هو اقتصادي , ما هو سياسي وما هو ثقافي وحتى ما هو إيكولوجي , بالرغم من أن ذلك لا ينفي غلبة عنصر على آخر واتخاذ العلاقة بين هذه العوامل في بعض الحالات شكل علاقة سببية قد تؤدي بنا إلى إضفاء نوع من التراتبية بينها . 

     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2-       Abdeljalil Halim , Structures agraires et changement Socail au Maroc , publications de la faculté des lettres et  

des sciences humaines , Dhar el Mahraz – Fés 2000 , p . 5

3-      حول محدودية تفسير التحولات الإجتماعية فقط اعتمادا على العامل الإقتصادي يمكن الرجوع وعلى سبيل المثال لا الحصر : 

-          Georges Balandier , sens et puissance , quadrige/ P . U . F , 1986 3éme éd , p . 218

-          Lilia ben Salem , << Questions méthodologiques posées par l’tude des formes du pouvoir : articulation du politique et du culturel , du national et du local >> , in le Maghreb : Approches des mécanismes d’articulation , édité par R . Bourqia , N . Hopkins , Al kalam , 1991 , pp . 190-191

ـ الوقوف على جملة التصورات التي صاحبت هذه التغيرات وطريقة إدراكها من قبل  المعنيين بها ,  على أساس أن تلك التصورات ذاتها ما هي إلا تجل لهذه التغيرات وترجمة نسبية لعقلية وآليات تفكير الإنسان القروي الحياني حاليا 4 .

     ـ محاولة فهم وتفسير  هذه التغيرات من خلال استحضار مختلف العوامل الفاعلة فيها .

    2 – إشكاليات البحث : انطلاقا من جملة الأهداف السابقة المسطرة لهذا البحث , يمكن صياغة إشكاليته على شكل التساؤلات التالية :

     ـ ما طبيعة التحولات التي عرفها المجال الحياني وما علاقتها بالتطور الذي عرفته الملكية العقارية ؟

     ـ ما نتائج هذه التحولات وكيف تم إدراكها من قبل المعنيين بها ؟

     ـ وفق أية آليات يمكن فهم هذه التغيرات وكيف يمكن تفسيرها ؟

     إضافة إلى تساؤلات أخرى فرعية تستوجبها وتفترضها الإجابة عن التساؤلات المركزية السابقة من قبيل : من هم الحياينة وهل تطور نظامهم القبلي ينبني على خصوصية ؟ ما المسار الذي اتبعته ملكية الأرض عندهم ؟ ما التحولات الإجتماعية وكيف نقاربها ....إلخ ؟

II منهجية البحث وتقنياته :

     لعل ما يميز الظاهرة الإنسانية عموما هو كونها ظاهرة معقدة تتكون من أكثر من بعد واحد خلافا للظاهرة الطبيعية التي تقتصر على البعد الفيزيولوجي أو الفيزيائي .

     إن هذا المعطى هو الذي يبرز ظهور منهاج وأدوات بحث مختلفة ومتعددة إن كانت تشوش نوعا ما على الباحث , فإن من إيجابياتها , مع ذلك , أنها تتيح الفرصة للإختيار , اختيار المنهج الملائم الذي يبدو أكثر انسجاما مع طبيعة الموضوع المدروس , وكذا التقنية أو الأداة التي تبدو أكثر إنتاجية على مستوى تجميع المعطيات التي تهيكل البحث وتوجه فرضياته بل وتصححها في بعض الحالات .

     وباعتبار أن المنهج لا يعدو في جوهره , سوى استراتيجية أو خطة عمل ينهجها الباحث لمعالجة إشكالاته , استراتيجية من شأنها أن تبين السيرورة العامة للبحث من بدايته إلى نهايته, وأن التقنيات هي التي تدل على كل مرحلة من مراحل تلك السيرورة , فإننا فضلنا الحديث عنهما مجتمعين بحكم هذا الترابط , وإن كنا نعرف مسبقا ضرورة التمييز بينهما وتجاوز هذا الخلط بين المنهج والأداة أو الوسيلة والذي نصادفه في عديد من الكتابات .

     انطلاقا إذا , من هذا التحديد الأولي بين المنهج والوسيلة من جهة , وانطلاقا كذلك من طبيعة المسار الذي يفترض أن يسلكه هذا البحث , وكذا نوعية ومصادر المعطيات التي يريد تجميعها , وكذا الأهداف العامة أو النتائج التي يتوخى الوصول إليها , ومنظورا كذلك إلى طبيعة الموضوع وامتداده في الزمان والمكان , وتوخيا للدقة العلمية قدر الإمكان , فقد فضلنا اعتماد مجموعة من المناهج والتقنيات والتركيب بينها , حيث بدا لنا أن تقنية ما إذا كانت صالحة ومثمرة في مجال ما وقد تسعف في تسهيل الإجابة على إشكال معين , فإنه سرعان ما يتبين عجزها في مجال آخر 5 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

4-      يكتب روبير مونطاني في هذا الإطار : " إنه فقط عبر اختبار ردود الأفعال العفوية للقبائل وكذا تنظيماتها في ظروف الأزمة هاته , يمكننا في غالب الأحيان الحكم على درجة تغيرها " .

-          R . Montagne , les berbéres et le makhzen dans le sud du Maroc , essai sur la transformation politique des berbéres sédentaires ( chlouh ) , Félix Alcan , Paris , 1930 , p . 323 .

5-       Mark Tessler , << les enquetes dans le monde arabe >> , in le Maghreb : approches des mécanismes d’articulation , op . cit. , p . 6

أما بخصوص المنهج المتبع , فطبيعة الموضوع باعتباره يقارب التحولات الإجتماعية التي عرفها مجال جغرافي محدد في الزمان والمكان , وباعتبار أن ذلك يستدعي بالضرورة المراوحة بين زمنين ماض وحاضر , ومحاولة إعادة تشكيل أو بناء ذلك الماضي , والوصف الدقيق لهذا الحاضر , فقد افترض أو أعطى الأسبقية لمنهجين يلخصان بشكل دقيق الخطوات العقلية التي تم اعتمادها في هذا البحث , إن الأمر يتعلق أساسا بالمنهج السوسيو- تاريخي المقارن ثم بالمنهج الوصفي .

     من أهم مميزات المنهج الأول اعتماده التاريخ كمتغير ثابت , وهذا ما ينسجم مع موضوعنا المرتبط بالتحولات , حيث أن مفهوم التحول في حد ذاته يحيل إلى التاريخ , إلى الزمن في أبعاده المختلفة : الماضي , الحاضر والمستقبل .

     أضف إلى ذلك أن السوسولوجيا , ومنذ تأسيسها كعلم , سواء بمعناه الوضعي أو الإبستيمولوجي , ظلت رهينة التاريخ , ومن ثم فهي لا يمكن أن تتبلور خارج التاريخ . " إن التاريخ يمثل نوعا آخر من النظر ينافس القدرة الإلهية في عملية تنظيم الأحداث , تصنيفها وإيجاد معنى لها " 6 كما أنه "  ليس من الممكن قط معرفة واقعة معينة دون معرفة كيف تكونت وما هو تاريخها .... ذلك التاريخ الذي يوجد في ذاكرة كل الفاعلين " 7 .

في هذا الإطار طرح التساؤل : هل من الممكن إعادة بناء التاريخ الخاص بالحياينة , خصوصا في المجال الذي يهمنا المرتبط بالمعيش وبالحياة الاجتماعية والثقافية ؟ وكيف يمكن لنا ذلك في غياب كتابة تاريخية منظمة لا تكتفي فقط بالإشارات التاريخية العابرة المرتبطة بالقبيلة وبتدوين الأحداث والمناسبات , بل بكتابة تهم تاريخها الاجتماعي ؟

     أمام هذا الغياب وارتباطا بهذا المطلب / الضرورة , أي محاولة إعادة بناء و لم شتات هذا التاريخ في بعده الاجتماعي , تم اختيار تقنية البحث التي بدت لنا أكثر ملاءمة من بين تقنيات البحث المتوفرة . يتعلق الأمر بتقنية سيرة الحياة , وهي تقنية افترضت أو استدعت وبشكل ضروري تقنية المقابلة وخصوصا المقابلات شبه الموجهة 8 . لماذا هاتان التقنيتان ؟ ماهي ثوابتهما ؟ ما الذي يمكن أن تقدماه للبحث السوسيولوجي و ما هي حدودهما ؟

1-  تقنية سيرة الحياة : الإجرائية والحدود : لقد مثل اعتماد تقنية سيرة الحياة بالنسبة لنا ضرورة منهجية أمام فقر المعطيات التاريخية المكتوبة حول الحياينة في بداية القرن وخصوصا المرتبطة منها بالمعيش . فكان لابد من مقابلة مسنين واستدراجهم للحديث عن حياتهم الشخصية , تلك الحياة التي , ولو على مستوى الخطاب أو التعبير , تظل مرتبطة وأسيرة الحياة الجماعية . صحيح , قد يلاحظ تضخم على مستوى الأنا المتكلمة , ولكن الأنا نفسها تتخذ معان وإحالات متعددة , فقد تعني الذات , وقد تعني العائلة أو العشيرة بل وحتى القبيلة في بعض الحالات عندما يستدعي الحديث أو الحوار قبائل أخرى . وبالتالي يجد الباحث نفسه حيث يؤكد على ضرورة اعتماد البعد التاريخي من قبل السوسيولوجيا حتى لا تتحول إلى مجرد سوسيوغرافيا تقتصر فقط على الوصف و " حيث يصعب فهم الحقيقة الإجتماعية دون معرفة كيف تكونت ...... ودون دراسة الاشكال الإجتماعية للماضي البعيد جدا "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6-       jacques Berque , l’Intérieur du Maghreb , éd . Gallimard , 1978 , p . 194

7-       Paul Pascon , Etudes rurales , éd . S.M.E.R , Rabat , 1980 , p . 71 

في نفس الإطار , يكتب ديسبوا : " لا يمكننا فهم الحاضر دون مناداة ماض بعيد "

-         Despois , l’Afrique du nord , payot 1967 , p . 115

-          A. Halim , structures agraires et changement social…. , op . cit ., p. 6وكذلك     :                                  

-          E . DURKHEIM , les régles de la méthode sociologique , nouvelle édition , Paris , 1967 , p . 117

8-      المقابلات شبه الموجهة هي التقنية التي عادة ما يتم اعتمادها في هذه الحالات , لأنها تتيح بشكل أفضل مراقبة مسار عملية التذكر , وفي نفس الوقت تضمن كامل الحرية في التعبير للراوي " , انظر في هذا الإطار :

-          Jean Poirier , Simone Clapier-Valladon , Paul Raybaut , Les récits de vie , Théorie et pratique , P . U . F , 1989 , 2éme éd . , p .42

أمام مزيج من المعطيات المتداخلة من الصعب تبين الموضوعي منها من حكم القيمة , التمييز بين " الواقع الفعلي " و " الواقع المتمثل " 9 . مع ذلك وفي كل الحالات , " تبقى تقنية سيرة الحياة ضرورية لكل من يريد أن لا يتجاهل " الوقائع الصغرى الحقيقية " وكذا حدة وتناقضات الواقع " 10 . ينبغي فقط أن نأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات التي يمكن أن تتدخل في عملية الحكي . فسيرة الحياة هي أولا إنتاج شفوي لنص , وبين الذاكرة 11 والإرسال الملموس للذكريات , كما تذكر " إيزابيل برترو " تتدخل مجموعة من الوسائط تضفي منطقها الخاص على مسار إعادة التذكر . فحسب الأوساط وحسب الأشخاص  , والسياق والاستعمال اللامتكافئ للغة , يفتح مجال الاختيار لما يمكن أن يحول إلى كلمات , لما يمكن أن يقال وما لا يمكن أن يقال . فتلك كلها متغيرات تعطي للرواية لحنا خاصا , إما توجها رومانسيا وحنينا لماض يتم اعتباره مشرقا أو خلافا لذلك , ماضيا يتم الحديث عنه بتحفظ وبتردد ملاحظين .

     لتجاوز مثل هذه الصعوبات , ينبغي أولا إدراك هذا الوضع المزدوج للمبحوث وعلاقته الثنائية مع الباحث من جهة , ومع المجتمع الذي يتحدث عنه أو يعيش في إطاره من جهة أخرى . وكذلك معرفة كل التمثلات والتصورات والقيم التي تتحكم في الخطاب البيوغرافي والإحاطة بشروط الوجود الاجتماعي التي أنتجت تلك المسلكيات الاجتماعية 12 . ثم إدراك مجال التذكر ومناسبته من أجل موضعة ما نتلقاه من طرف المتذكر / الراوي مع ضرورة المقارنة والمقابلة بين الروايات كلما أتيحت الفرصة لذلك .

     رغم هذه الصعوبات وكذا الاحتياطات والإجراءات التي تفترضها , فإن للبيوغرافيا أو سيرة الحياة مزايا متعددة لعل " من أهمها ما تقدمه من معطيات غنية ومعلومات جديدة حول مجتمع ما بكل جزئياتها وتفاصيلها " 13 . كما أنها تتيح توسيع الحقل المدروس وتجاوز الإطار الصوري للظاهرة أو المؤسسة المدروسة للوصول أو لتحقيق الديالكتيك والتركيب بين " الفاعل والنسق " . هكذا فالأمر في هذه الحالة لا يتعلق بمخبرين بالمعنى الكلاسيكي المعطى لهذه الكلمة في مجال الاثنولوجيا ولكن بمبحوثين فاعلين 14 . إن أقصى ما يمكن إدراكه في هذه الحالة وأمام مبحوثين من هذا النوع , هو الإمساك بمنطق الذكريات والسفر مع الشخص في ماضيه كما أمكنه أن يقوم حاليا , والتنبه إلى كل تناقض محتمل في خطابه ثم المقارنة بين روايتين على الأقل حول نفس المرحلة ونفس المواضيع التي يتم البحث عن معطيات حولها . هذا دون التمييز بين الحدث في إطار الرواية والمعنى المعطى له من قبل الراوي , أي دون التمييز بين " مجال الذاكرة " " ومجال التذكر " 15 .

   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9-      حول أهمية الواقعين الفعلي والمتمثل وأهمية السياق في المقابلات بشكل عام يمكن الرجوع إلى :

-          J . Poirier et Autres op . cit . , surtout les p . 23 , 30 , 50

10-    Jean-Piérre Rioux , << L’histoire et les récits de vie >> , revue des sciences humaines , n° 191 , 1983 , p . 31

11-   يجب أن لاننسى هنا كما تكتب "  برترو " أن الذاكرة هي أولا و أخيرا فعل تذكر , والتعبير اللفظي Verbal لفعل التذكر هو أداتنا الأولى وأساس تفكيرنا .

-          Isabelle Bertraux – Wiame , << Mémoire et récits de vie >> , Penélope ,n° 12 , printemps 1985 , p . 47

12-    Ibidem , p . 48

13-    Yves chevalier , << Usages sociologiques de la biographie >> , revue française des sciences politiques , février 79 , n° 1 , Paris , p . 94

14-    Ibidem , p . 90

15-    Isabelle Betraux – Wiame , << Mémoire et récits de vie >> , op . cit . , p . 48

2-   تقنية المقابلة : إمكانات وصعوبات :

 في نفس الإطار السابق , وضمن نفس التوجه تم اختيار تقنية المقابلة بشكليها المعروفين : المقابلة شبه الموجهة والمقابلة الموجهة , وذلك حسب الحالات , مواضيع البحث والأهداف المسطرة له , وقد مثل اختيار هذه التقنية بالنسبة لنا معطى ضروريا ومفيدا , وذلك للاعتبارات التالية :

     ـ طبيعة المجتمع المدروس وفئة المستجوبين فيه , حيث تمثل نسبة الأمية نسبة مرتفعة , الشيء الذي يقصي منذ البداية إمكانية اعتماد تقنية بحث أخرى كالإستمارة . أضف إلى ذلك ما يمكن أن تحيل إليه وضعية الباحث الذي يسجل معلوماته ويكتبها أمام المستجوب , ذلك أن الحوار المقرون بالكتابة والتدوين الفوري اقترن في مخيلة القروي بجهات معينة : المخزن وممثليه ومن ثم الإحتراس , التمويه والمراوغة والتحفظ عن تقديم أية معطيات قد تفيد في تقدم البحث وإنارة طريقه .

     ـ إنها تتيح الإتصال المباشر بمصدر المعلومات والمعطيات , الأمر الذي يضفي نوعا من المصداقية على النتائج المتوصل إليها .

     ـ تمكن من تعميق وتعديل المعارف التي نبحث عنها انطلاقا من تحليل وتدقيق المعطيات التي يدلي بها المستجوبون بتفصيل .

     ـ تسمح بملاحظة بعض ردود الأفعال الجانبية والتي تتزامن مع الإجابات الشفوية للمستجوبين . ذلك أن معاينة حركاتهم وتتبع تعابير وجوههم و إيماءاتهم من الأمور التي قد تساعد على اكتشاف بعض الجزئيات التي لا يمكن التعرف عليها بالإعتماد على الإجابات المكتوبة فقط .

     ـ تساهم في عملية الربط بين المكتسبات النظرية للباحث وبين الواقع الموضوعي والواقعي لتلك المعارف وهي بذلك تكون مجالا للتمفصل بين ما هو نظري وما هو واقعي , على اعتبار أن كلا منهما يساهم في إغناء , إثراء وتعديل الآخر .

     إلى جانب هذه الإمكانيات التي تقدمها تقنية المقابلة , نجد أن الأهداف الموجهة لهذا البحث هي الأخرى تستدعي اعتماد مثل هذه التقنية خاصة وأن الغرض من البحث تمثل أساسا , ليس فقط في التعرف على معطيات ومعارف غير معروفة بالشكل التام , بل التعمق والتحقق من مدى صلاحية بعض المعطيات المتوفرة المكتسبة من خلال التجربة الشخصية بحكم الإنتماء إلى نفس المجال المدروس ثم اعتمادا على دراسات سابقة همت المنطقة 16 خلال مرحلة سابقة .

     وقد اتخذت هذه المقابلات صيغتين , فردية وجماعية . فقد تم اعتماد المقابلات الفردية نظرا لما تسمح به من حرية نسبية للمستجوب للتعبير عن آراءه بكيفية تلقائية " ومستقلة " وفق مرجعية خاصة , بعيدا عن تأثير باقي المستجوبين عليه " . وهكذا فهي قد تجعلنا نتجنب كل الترددات والإحتياطات الممكنة التي قد يبديها المستجوب عندما يكون بمعية مستجوبين آخرين. وقد لجأنا إلى هذا النوع من المقابلات خصوصا مع فئة المسنين عندما كنا نريد إعادة بناء مرحلة تاريخية انصرمت والوقوف على تمثلات الأفراد حولها , وبالتالي محاولة الوقوف على نقط التقاطع بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية .

     أما المقابلات الجماعية فقد تم اعتمادها هي الأخرى نظرا لما توفره من إمكانية الوقوف على أوجه التقارب والإختلاف في الآراء التي يعبر عنها أفراد المجموعة في شأن موضوع من المواضيع , كما تكشف عن مختلف التفاعلات والمواقف إزاء الموضوع المدروس . كما أن المستجوبين من جهتهم يتمكنون من مساعدة بعضهم البعض في تذكر الجوانب المرتبطة بالسؤال الموجه إليهم وفي مقابلة المعلومات والآراء التي يدلون بها .

     لقد ارتبط اختيار هاتين التقنيتين , سيرة الحياة والمقابلة , بالمنهج السوسيــو – تاريخي كأحد المناهج التي اعتمدناها في هذا البحث .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16-   المقصود هنا أساسا دراسات الباحث الفرنسي " كريكوري لازاريف " التي سنشير إليها في حينها

     أما بخصوص المنهج الثاني الوصفي فقد تم اعتماده لمقاربة الطرف الثاني من معادلة التغير أي الزمن الحاضر , قبائل الحياينة في حاضرها , حيث كذلك , وفي غياب بحوث ودراسات تهم نفس الموضوع في جوانبه المجالية والاجتماعية , وجدنا أنفسنا ملزمين باتباع تقنية الوصف الدقيق لكل ما نلاحظه 17 . وفي هذا الإطار كذلك ظهرت تقنية الملاحظة بشكليها , العينية التي تكتفي بالرصد والتسجيل والملاحظة بالمشاركة , كتقنية أكثر ملاءمة , فهي تفيد من جهة , في التقاط المعطيات الضرورية التي يتطلبها البحث ثم كذلك باعتبارها وسيلة لتقويم السلوكات والممارسات والأنشطة ومتابعة التطور الذي لحقها , على أساس أن لا تصبح غاية في ذاتها فأن نلاحظ , كما يقول باسكون , ليس معناه أن نراقب وأن نترصد guetter . إنها تعني أن نكون في حالة إنصات إلى ... وكذلك أن نكون قادرين على الإندهاش وبشكل خاص أن نحترم " .

     وقد ظلت تحكم هذا المنهج أو هذه الإستراتيجية , وعلى امتداد البحث , نظرة للبحث العلمي باعتباره سيرورة تفاعل بين الذات المفكرة والواقع الزاخر بالمعطيات . تلك السيرورة التي يلخصها باشلار في قوله : " الحدث العلمي مغزو ومبني ومحقق أو ملاحظ " إنه مغزو على مستوى الأحكام الجاهزة أو المسبقة , أي على مستوى ما يمكن أن نسميه بالتمثلات . ولا نخفي سرا في هذا الإطار جملة التمثلات التي تراكمت لدينا حول العالم القروي , ربما تحت تأثير كتابة ذات أصل حضاري أو نظرا لغياب الإحتكاك المباشر بهذا العالم . وهو مبني عن طريق العقل وحدوسه الخالصة . وهو ملاحظ داخل الأحداث أي من خلال الإنتقال من الفكرة العامة المحدوسة إلى مقارنتها بالواقع من خلال التجريب أو الملاحظة .

     وهي نفس النظرة التي اعتمدها كــل من J. C Chamboredon و P. Bourdieu و

J.C Passeron حيث بينوا أن النهج démarche , سيرورة تتكون من ثلاثة إجراءات ينبغي أن يحترم ترتيبها وهي : القطيعة rupture  والبناء construction والتحقق constatation.

     ـ القطيعة مع كل البديهيات التي توهمنا بمعرفة الأمور . إن القطيعة مع التجربة الأولى أو مع بادئ الرأي هي الخطوة الأولى الضرورية لإجراء بنائي يخص السير العلمي .

     ـ البناء : لا يمكن لهذه القطيعة إلا أن تكون ضمن تصور نظري معين مسبق قادر على التعبير على المنطق الذي يفترضه الباحث أساس الظاهرة المدروسة . فبواسطة هذا البناء الذهني يمكن توقع الأدوات والعمليات التي ستوظف والنتائج التي سيتوصل إليها بشكل منطقي. وبدون هذا البناء النظري لا يمكن أن تكون التجربة حقيقية , كما لايمكن أن تكون الملاحظة أو الإستنتاج مثمرين في العلوم الإنسانية , فالباحث لا يمكنه أن يخضع أية فرضية لمعيار الأحداث , كما أن الفرضيات ينبغي أن تكون نتيجة لعمل عقلي مبني على المنطق وعلى أدوات مفاهيمية مبنية بشكل واضح وصحيح .

     التحقق ( الملاحظة والإستنتاج ) :  لكي تحتل قضية من القضايا المكانة العلمية , ينبغي أن تخضع لاختبار المعطيات الصادرة عن الحقيقة الملموسة , وهذا الإختيار للأحداث يطلق عليه تحقق أو تجربة , ويلتقي مع الإجراء الثالث من منهج البحث العلمي18 .

        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17-   لقد اتخذ هذا البحث وفي كثير من اللحظات طابعا وصفيا وهي مسألة كانت مقصودة منظورا إضافة إلى ماسبق , إلى فهم خاص للتغير الإجتماعي ولمعرفة ميكانيزماته . فللوقوف على هذه الميكانيزمات كما تذكر مارتين سيكالين , ينبغي النزول أو الرجوع  إلى كل التفاصيل وأدقها المرتبطة بالمراحل , المجالات والأوساط الإجتماعية لإدراك بعض ميكانيزمات التحول " .

-          Martine Segalen . sociologie de la famille , Armand Colin Editeur , Paris , 1981 , p . 99

18-   عبد الكريم غريب , منهج وتقنيات البحث العلمي , مقاربة ابستيمولوجية , منشورات عالم التربية , 1997 , ص . 42 .

      ضمن هذا الإطار الذي يروم التأسيس أو النهوض على خلفية ابستمولوجية عقلانيــة  مطبقة أو بنائية , تعتمد تفاعل البنيات الذهنية مع الواقع الموضوعي من أجل الربط بينهما في عملية بناء المعرفة وتكوينها بصورة منطبقة أو مماثلة , وفق هذه المناهج وهذه التقنيات تمت مقاربة الإشكاليات التي تضمنها هذا البحث .

إضافة إلى محاولة الوقوف على كل المفاهيم المعتمدة والمؤطرة لفصوله , ولو في حدودها الدنيا . حيث كان الغرض أساسا تحديد ما الذي نقصده بهذا المفهوم أو ذاك , إيمانا منا بضرورة التمييز بين طابعين للمفهوم : طابع علمي مرتبط باللحظة والشروط التي ظهر فيها , وطابع إجرائي مرتبط بطريقة توظيفه واستخدامه في مجالات قد تكون بعيدة عن المجال المحدد له .

     ولا ننسى في هذا الإطار كذلك , الإشارة إلى جملة الصعوبات التي يمكن أن يطرحها تطبيق التقنيات السابقة على الأقل في شكلها أو في خطيتها المعروفة أي كتقنيات محددة ومعرفة بهذا الشكل أو ذاك في المجتمعات التي ظهرت فيها وضمن مستوى إبستيمي معين , الشئ الذي يعبر عنه عادة بمفهوم الخصوصية , خصوصية المجتمع الغربي الذي أفرزها من جهة , وخصوصية الحقل المعرفي الذي ظهرت ضمنه , الحقل العلمي الصرف أو ما يسمى بالعلوم الدقيقة أو مجال العلوم الإنسانية بتفرعاتها المختلفة .

     هذا المعطى هو الذي أدى بنا إلى تنويع تقنيات البحث والتركيب بينها لتجاوز كل الثغرات التي قد تفصح عنها بعض التقنيات منظورا , كما أسلفنا , إلى طبيعة المجتمع المدروس وثقافته وما يمكن أن يبديه من مقاومة اتجاه عمل الباحث , وما يصاحب ذلك من تأويل أو سوء فهم , ومنظورا من جهة أخرى إلى ضرورة تحلي الباحث بنوع من اليقظة الإبستمولوجية في مثل هذه الحالات , باعتبار أن هذه اليقظة في ظل التطور الذي عرفه العلم حاليا , تعتبر شرطا أساسيا من شروط العلمية , بغض النظر عن الصورة أو التعريف الذي نعطيه لمفهوم العلم .

     مع ذلك وبالرغم من كل الاحتياطات الضرورية والمشروعة , لا ينبغي أن نسقط فيما يسميه بعض الباحثين , وبلغة ذكية , " بالأمبريقية السعيدة " , لأن تطبيق هذه التقنيات , ومهما كان الحذر الإبستمولوجي الذي يفترضه تطبيقها , لا ينبغي أن يلغي أسئلة كثيرة تظل مطروحة خصوصا في المجال القروي من قبيل : هل من الممكن إجراء مقابلات سوسيولوجية بدون شروط19 ؟   كيف نحصل على ثقة الإنسان القروي وقبوله إجراء المقابلات , فغالبا ما ينظر للباحث على أساس أنه ممثل للسلطة أو عل الأقل رمز من رموزها , ومن هنا تأتي ردود الفعل المتمثلة في الحيطة والحذر والريبة والشك والخوف و " المسرحة " إذا استخدمنا تعبير يورغن هابرماز20 , ويقدم نفسه للباحث الملاحظ وفق ما يراه مناسبا له . " إنه يقدم نفسه ليس وفق ما هو عليه , وإنما حسب ما يرغب أن يكون أو حسب ما يظن أنه يجب أن يقدم نفسه "21 . وهذه كلها عوائق اجتماعية نفسية تحول دون تحقيق تواصل حقيقي بين الباحث والمبحوث , المرسل والمتلقي . أضف إلى ذلك صعوبات أخرى تتمثل أساسا في تحويل ونقل المعرفة والإخبارات  من مستوى إلى آخر , أو بعبارة أخرى , كيف يمكن للباحث صياغة أفكار و آراء و اهتمامات وحاجيات الإنسان القروي , والتي يعبر عنها بلغته الخاصة : الدارجة . زيادة على ذلك كيف يمكن للباحث صياغة أجوبة السكان القرويين في قالب لغوي يراعي الإنسانية في نقل الإرسالية ويضمن عدم تشويهها ؟ 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

19-   عبد الصمد الديالمي , القضية السوسيولوجية , إفريقيا الشرق , 1989 , ص68 وحول الصعوبات التي يطرحها التطبيق الحرفي لتقنيات البحث السوسيولوجي في المغرب والوطن العربي بشكل عام يمكن الرجوع لنفس الكاتب إلى :

-         << Sexualité et discours au Maroc >> , Al  Asas , n° 17 , février 1980 , pp . 33-38

20-    J . HABERMAS , la théorie de l’agir communicationnel , ( 2 tomes ) , Fayard , Paris , 1988 , p . 98

21-   سليمان الديراني , " الملاحظة في الدراسة السوسيولوجية : اختزال " الواقع " بين الصدقية والعلمية " , مجلة أوراق جامعية , العدد 8/9 , ربيع وصيف 1994 , لبنان . 

    III عينة البحث :     

    يمثل الاشتغال بعينات تقليدا دأب عليه الباحثون في مختلف المجالات العلمية , وهو يمثل أسلوبا دقيقا ييسر بشكل موضوعي عملية تمثيل الظاهرة المدروسة . إلا أنه , وإذا كانت عملية التمثيل الموضوعي في مجال الظواهر الطبيعية قد تبدو بسيطة ومعبرة , فإنها في مجال الظواهر الاجتماعية تكون جد معقدة , وبالتالي فاختيار العينة المعبرة قد يتطلب الكثير من الجهد واستحضار مجموعة من المتغيرات التي قد تشكل نقطة تقاطع بين المجموعة المدروسة ككل .

     هكذا فالاشتغال بالعينات وإن مثل تجاوزا لكثير من معيقات البحث , حيث أن الباحث لا يمكنه الاتصال بكافة أفراد المجتمع المدروس , مع ما يتطلب ذلك من وقت في جمع المعطيات, ومن صعوبات تفرضها ضخامة المجهودات الجسدية والذهنية والتكاليف المادية التي تتطلبها العملية تلك , فإنه هو الآخر لا يسلم من أن يتحول إلى معيق أمام فهم دقيق وفعلي للظاهرة المدروسة , وبالتالي فقد يسقط في الاختزال , ومن ثم التسرع في إصدار نتائج وخلاصات لا تكون معبرة وممثلة للمجتمع الأصلي .

     تجنبا لمثل هذه المنزلقات , نجد وفي مجال التعيين مجموعة من الأشكال : العينات العشوائية , الطبقية , المساحية , الحصصية , التجريبية , الضابطة ...إلخ وكل منها يقدم إغراءات الاشتغال به . غير أننا وفي حالتنا , ومنظورا إلى حجم المجال المدروس – 424 – دوارا و امتداده جغرافيا , ومنظورا كذلك إلى المتغير المعتمد في مقاربة الموضوع : الملكية العقارية , أضف إلى ذلك متغيرات أخرى مؤثرة في عملية التحولات المدروسة هذه , كعامل البعد أو القرب من المدينة وطرق المواصلات ..؟ وقع اختيارنا على مايسمى في أدبيات البحث الميداني بالعينة المساحية . فباعتبار حجم المجتمع المدروس , بدا لنا أن هذا الشكل من التعيين قد يمثل أسلوبا موضوعيا لتحقيق عملية التمثيل بالنسبة لمختلف عناصر الظواهر المدروسة .

     وفق هذا الشكل , عمدنا في البداية إلى تصنيف المجتمع الأصلي : القبائل الثلاثة بدواويرها الأربعمائة وأربعة وعشرين , إلى فئات اعتمادا على عدد البيوت المشكلة لها22 . فكان أن حصلنا على ثلاث فئات , الأولى يتراوح عدد المساكن فيها بين 150 و 350 مسكنا , وسميناها مركزية , إنها ترمز إلى التجمعات القروية الكبرى داخل الحياينة , وهي قريبة من شبكة المواصلات : تيسة , عين عائشة , اولاد داود , بوعروس , عين لكدح , اولاد عياد . فئة ثانية تقل حجما على مستوى ساكنتها سميناها بالفئات الوسيطة , ثم فئة ثالثة سميناها بالهامشية , وهي هامشية بالنسبة للمراكز بحكم تواجدها على هوامش المجتمع الأصلي : قبائل الحياينة الثلاثة23 .

     داخل هذه النماذج الثلاث , المركزية , الوسيطية والهامشية والتي تم تحديدها وفقا للموقع الجغرافي وحجم الساكنة , نجد عدم التكافؤ داخل نفس الفئة أو النموذج , خصوصا على مستوى الملكية العقارية . كما أنه لم يكن من الممكن تناول كل هذه الدواوير بالدراسة , ومن ثم وقع اختيارنا داخل كل فئة على الدواوير أو التجمعات القروية التالية , واعتمدناها عينة لهذا البحث:

-         بالنسبة للفئة الأولى , اخترنا المركز القروي لأولاد داود بحكم تقاطعه على كل المستويات مع التجمعات القروية الكبرى المشكلة للمجال الحياني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

22-   انظر الصفحة رقم 116 من الفصل الرابع .

23-   يحيل  هذا الإختيار إلى شكل من أشكال العينة يدعى بالعينة الحصصية التي عادة ما يلجؤ إليها هي الأخرى عندما يتعلق الأمر بمجتمعات أصلية كبيرة الحجم . حول هذا التصنيف اعتمدنا : عبد الكريم غريب , منهج وتقنيات البحث العلمي , م . س , ص ص : 76-78

      ــ أما بالنسبة للفئة الثانية , فقد ركزنا على الدواوير التالية : أهل الواد , البحاحدة , أهل سالم , زناكة , أولاد يحي , اولاد بوشتى . وهي دواوير أهم ما يميزها أساسا هو التشابه على مستوى حجم بيوتها وبعدها النسبي عن المراكز القروية ونقط المواصلات .

وبخصوص الفئة الثالثة ركزنا على الدواوير : عين لقرع , الرشاشين , باب لحجر , اولاد بوسعدن , صدينة , سجالة , كعدة الرويشيين وظهر الديب .

غير أن هذا الإختيار أو الفرز الأولى لهذه الدواوير / العينة لم يمنعنا , كلما أتيحت لنا الفرصة , من الإطلاع والإشتغال داخل مجالات أخرى تنتمي إلى مجتمع الدراسة الإجمالي : قبائل الحياينة .